
دور حوكمة الشركات ومؤسسات الاستثمار في تحسين النظم الاقتصادية
عامر بن محمد الحسيني - باحث متخصص في شؤون حوكمة الشركات، جامعة كاردف، بريطانيا 10/02/1429هـ
alshehria1@Cardiff.ac.uk
مؤسسات الاستثمار أو ما يعرف بمصطلح Institutional investors تلعب دورا كبيرا في الحفاظ على استقرار وتماسك الأسواق المالية، حيث إنها تمثل نسبة كبيرة جدا من المستثمرين في أي سوق للأسهم, هي عبارة عن أوعية استثمارية يقوم على إدارتها وتشغيلها نخبة من المتخصصين في الاستثمار, غالبا ما تتمثل في شركات التأمين وصناديق الاستثمار البنكية ومؤسسات التقاعد. وبعبارة بسيطة فهم "هوامير" السوق الحقيقيون، لما يلعبونه من دور مهم في المحافظة على استقرار ونمو السوق جنبا إلى جنب مع صناع القرار.في دراسة أعدت في بريطانيا عام 1999 وجدت أن أكثر من 70 في المائة من أسهم البورصة تمتلكها مؤسسات استثمارية تندرج تحت مصطلح Institutional investors. قد يبرز سؤال عند هذه النقطة وهو هل لهم دور فعلا، وكيف يكون ذلك؟. كفل لهم نظام الشركات التجارية وقوانين وقواعد حوكمة الشركات دورا رئيسا لما يملكونه من استثمارات كبيرة, فهم المحرك الثاني والأهم للسوق بعد صناع القرار، فهم يملكون الخبرة الكافية ويكفل لهم النظام حقوقهم كملاك لنسبة كبيرة من أسهم الشركات.جاءت موجة التطوير منذ بداية التسعينيات أو ما عرف لاحقا بممارسات حوكمة الشركات ليضمن للمستفيدين عموما حقوقهم نتيجة لتضارب المصالح ما بين الفئات المختلفة, ولكن مجرد صدور النظام لا يكفي لضمان سير العمل على الوجه الصحيح, فلا بد من أن يتبع صدور النظام دعم النظام من الجهات المستفيدة وفي حالتنا هذه فالمستفيدون كثر ولكن أهمهم القطاعات الحكومية والبنوك وشركات الاستثمار وحتى صغار المستثمرين.عودة إلى الدراسة التي أشرت إليها سابقا فالدور المأمول من المؤسسات الاستثمارية والذي يجب أن تقوم به قد يندرج تحت إحدى أو كل النقاط اللاحقة، وهي ذات علاقة وطيدة بها:نتيجة للرغبة في تحسين الفرص الاستثمارية وزيادة عدد المستثمرين فقد تم منح إدارة الشركات لمتخصصين على علم ودراية بأساليب الإدارة ما عرف حينذاك بالفصل ما بين الإدارة والملكية نتج عنه ظهور نظرية الوكالة Agency Theory. كان من أبرز المشاكل مع هذه النظرية هو مشكلة تضارب المصالح ما بين الإدارة والملاك, ولكن بعد توسع القاعدة الاستثمارية وزيادة عدد ملاك الشركة الواحدة برزت حوكمة الشركات لتحل هذه الإشكالية مرة أخرى نتيجة لتضارب المصالح ما بين إدارة الشركات والمستثمرين. لذلك دعت حوكمة الشركات Corporate Governance إلى الفصل ما بين مهام رئيس مجلس الإدارةChairman والمدير التنفيذي للشركة Chief Executive Officer (CEO) للوصول إلى ضمان درجة مقبول من الفصل بين المنصبين حتى لا يتم الانفراد بالقرارات من قبل شخص واحد, ولكل وظيفة مهامها الموكلة إليها. الفصل بين الإدارة والملكية يساعد على استقلالية صنع القرار مما يقود إلي خفض مستوى التضارب في المصالح بين الإدارة وملاك الشركة. ورغبة في ضمان تخفيض نسبة التضارب في المصالح إلى أقل نسبة ممكنة فقد جاءت حوكمة الشركات للتأكيد على هذا الفصل عن طريق إضافة المديرين غير التنفيذيين لمجلس الإدارة Non-Executive Director وهم أشخاص لا يعملون للشركة نفسها وليسوا مساهمين بها, بذلك يتم ضمان استقلالهم عن مصالح الملاك والإدارة معا. فهم يعملون على المشاركة في صياغة وتحديد الاستراتيجيات للشركة, كما أنهم يقومون بدور مهم في مراقبة أعضاء مجلس الإدارة رقابة تضمن حقوق المستفيدين من الشركة Stakeholder. أوصى تقرير كادبوري في بريطانيا The Cadbury Committee على ضرورة أن يحوي مجلس الإدارة على الأقل ثلاثة مديرين غير تنفيذيين. وفي دراسة 1999 المشار إليها سابقا وجد أن الشركات البريطانية نحت هذا الاتجاه وذلك بتضمين مجالس الإدارة عددا من المديرين غير التنفيذيين يفوق عدد التنفيذيين منهم.دعت حوكمة الشركات إلى ضمان العدالة في تقدير وتحديد مكافأة مجلس الإدارة، وذلك من خلال إنشاء لجنة المكافآت في الشركة Remuneration Committee مهمتها متابعة وتحديد هذا الأمر. تهدف هذه اللجنة إلى تحديد مقدار ما يستحقه أعضاء مجلس الإدارة من مكافأة نظير الجهد والنتائج التي قدموها خلال العام مع عدم الإضرار بمصالح الطرفين.حوكمة الشركات منحت اهتماما أكبر للرقابة المالية الداخلية وذلك من خلال التوصية بإنشاء لجنة المراجعة الداخلية Internal Audit Committee. تهدف هذه اللجنة إلى القيام بالأعمال التالية: أولا تحديد المراجع الخارجي للشركة وتحديد أتعابه. ثانيا، القيام بعملية المراجعة نصف السنوية، وثالثا، التحقق ودراسة أي أحداث في القوائم المالية تتطلب البحث والاستقصاء.تفعيل ممارسات حوكمة الشركات يضمن تحسين وتفعيل العلاقة ما بين المستثمرين والشركات من خلال التحكم المالي في مكافآت مجلس الإدارة، كما يؤدي إلى تحسين حقوق التصويت للملاك بغض النظر عن كمية أسهمهم. تدعو حوكمة الشركات إلى منح شركات وكبار المستثمرين حقوقا إضافية كالاجتماعات على المستوى الفردي لمناقشة نتائج وسياسات الشركة مع إدارة الشركة.من أهم نتائج تفعيل ممارسة حوكمة الشركات تحسين الأرباح التشغيلية للشركات، ولكن هذا التحسين ليس هدفا لها حيث إنه لا يوجد ضمان لنجاح الشركة التي تمارس مبادئ واشتراطات الحوكمة. لكن في الكثير من البحوث والدراسات الميدانية وجد أن الشركات التي تقوم بممارسة نظام حوكمة فعال تحقق نتائج تشغيلية ناجحة مقارنة بالأخريات. هذه النتيجة تحصل من خلال تحسين وتطوير نظام الإدارة من خلال ضبط وتقنين ممارسات الإدارة، ما يؤدي إلى تحسين وضبط النتائج التشغيلية للشركات.من خلال ما سبق يتضح لنا الدور المهم والكبير الذي يلعبه تطبيق ممارسات حوكمة الشركات على نتائج ونشاطات الشركات العاملة. ولكن في المقابل فالبعض يرى أن نظم وممارسات حوكمة الشركات فقط تضيف أعباء مالية على الشركات العاملة وتتسبب في مضيعة الوقت من خلال الإجراءات الإضافية التي يراه هذا الفريق سببا لضياع وتشتت الفرص. ولعل الفرصة تكون مواتية مستقبلا لتناول كل نقطة بتفصيل أكثر.ولكن عموما، فإن ظهور نظم وتطبيقات حوكمة الشركات قد ارتبط بإصلاح وتحسين الأسواق المالية وتشغيل الشركات في أغلب دول العالم. وأصبح لها ثقل كبير في تحديد مدى استقرار ونجاح السوق المالية لأي بلد, كما أن تطبيقها على مستوى عال يعد عامل جذب واستقطاب للاستثمار الأجنبي وللشركات الاستثمارية. وهنا تبرز للقارئ مجموعة من التساؤلات عن دور شركات الاستثمار في تطوير وتحسين نظم إدارة وممارسات الشركات في المملكة؟ كما يبرز استفسار عن دور البنوك التجارية كمستثمر وكممول للشركات في تحسين نظام الحوكمة؟ كما أن نظام حوكمة الشركات والصادر في عام 2006 يفترض أن يبدأ تقييم نتائجه من هذا العام لاكتشاف أهم المشكلات التي تواجه القطاع الاستثماري وتحديد مدى الالتزام والتقييد بما جاء في النظام. وحيث إن حوكمة الشركات ترتبط ارتباطا وثيقا بمصطلح الشفافية والإفصاح Transparency & Disclosure فالسؤال هنا هل فعلا أصبحت إدارة الشركات المحلية في إفصاح وشفافية كافية لمساعدة المستثمرين على اتخاذ قراراتهم. هذا سؤال أدعه لكم للإجابة؟